الدكتور ياسر والدكتور علي ينتظران نتائج بحثي ..
نظر لها بشار وقال :
لا يا همسة ..
همت بأن تقول له : دكتورة لو سمحت ..
ولكنها لا تعلم لم أحست معه بألفة غريبة ..
ولكن بشار تابع
لا تفعلي هذا أبداً ..
أنت طبيبة ..
والعمل بهذه العشوائية لا يفيد أبداً ..
وبهذه الطريقة قد تفقدين حياة إنسان ..
اختل توازن همسة ..
ولم تعرف كيف تتصرف ..
أمسكت رأسها وجلست وهي تزفر بقوة ..
وعيناها على الأرض ..
صمتت لبرهة ..
" همسة "
رفعت همسة وجهها ..
كان بشار يقف أمامها وفي يده المزهرية ..
وبقي فيها ماءها ..
وفي لحظات ..
تششششششششششش ..
حدقت همسة في وجه بشار ..
وأحست أن قلبها قد توقف ..
لقد ألقى الماء في وجهها بقوة ..
أمسك بشار وجه همسة في قوة ..
وهو يهزه برفق ويقول :
همسة ..
اهدئي ..
ششششششش ..
وقفت تتأمل فيه للحظات ..
أحست بصوت موسيقى تعبر في أذنها بوداعة غريبة ..
أحست بحنان لا حدود له ..
أحست أنها في يد أمينة ..
بحق ..
تمنت لم أغمضت عيناها للأبد ..
أحست لوهلة أنها تحب هذا الإنسان ..
ولأول مرة تترك همسة لنفسها هذا العنان من المشاعر ..
لم تقل لا كما تفعل العادة ..
لم تقرع نفسها ..
لم تلم نفسها ..
بل سمحت لهذا الإحساس أن يدخل على قلبها بكل قوة ..
سمحت أن تجعل يديه تدفئ كل ركن في وجهها ..
أحست أنها تريد أن تبقى وتبقى إلى النهاية ..
أما بشار ..
أخذ يتأمل وجه همسة ..
بعد أن غطتها المياه ..
لأول مرة يتأمل تلك العيون الزرقاء الصافية ..
أحس أن فيها شيئاً ليس كالعادة ..
أحس أن فيها بنظرتها الحالمة تلك ..
ولكنه تأمل كل شيء في وجهها عن كثب ..
أغمض عينيه ..
وجعل بصره للأرض ..
ابتسم ..
ونظر فيها مرة أخرى ..
كل هذا كان في أقل من دقيقة ..
عجيبة بحق هي الدنيا ..
أمور قد تحصل في أيام ..
نحس بأنها لم تحصل حتى ..
وأمور تحصل في ثواني
نحس الوقت فيها أن الوقت لا يكاد ينتهي ..
صدق أينشتاين في نظريته النسبية بحق ..
أفاقت همسة من الحالة التي كانت فيها ..
وأحست بخجل بلا حدود ..
وهمت بأن تغادر الغرفة ..
همسة ..
توقفت همسة ولم تنظر حتى لبشار ..
كانت تخاف من أن يقول لها أي شيء ..
اقترب منها وقال :
خذي هذا ..
نظرت لما يحمل في يديه ..
وجدت أوراقاً وتقارير ..
نظرت فيه مستفهمة ..
قال :
إنها أوراق فحصي في اليابان ..
لا عليك مكتوبة بالإنجليزية ..
انسخي وصف تحليل العينة ..
قالت همسة : حسناً دون أن تفهم ما الموضوع ..
حملت الأوراق ..
وذهبت لمكتبها ..
وهي تحس أنها مخدرة ..
إنها لا تحس بأي شيء ..
تحس أنها في حلم ..
لا تدري لم أحست كأنها تشاهد حلماً ..
كانت فيه فتاة صغيرة بضفائرها ..
تلهو وتمرح ..
رأت شعرها أشقر اللون ..
وهي تلعب في تلك الحلقة التي يدور فيها الأطفال ..
وهي تمرح ..
والضحكة مليء شدقيها ..
ابتسمت ..
عندها توقفت ..
وجدت نفسها تنسخ النتائج ..
فتحت عينيها ..
وقد أصابها ذهول ..
إنها لأول مرة تفعل هذا في حياتها ..
كيف وهي الطالبة الأولى على الدفعة ..
بل كان بعض البنات يأخذن منها منا تقاريرها ..
والبعض الآخر يغش منها في قاعة الامتحان ..
كيف وصلت لهذه الدرجة ..
وأصبحت تغش ..
تذكرت عيون بشار الصغيرة ..
لا تدري لم أحست أن العيون تكبر ..
حتى تغمرها كلها ..
وكأنما أصبحت عيناه .. بحجم الغرفة ..
استمرت تكتب ..
وبعدها ذهبت إلى مكتب الدكتور علي والدكتور ياسر اللذان كانا ينتظرانها ..
دخلت بخفوت ..
أحس الدكتور علي أنها في حالة غير عادية ..
جلست همسة ..
وهي في حالة " تناحة " ..
رأى الدكتور علي التقرير وقال :
اممممممممممم
لم أكن أظن أن الموضوع خطير لهذه الدرجة ..
أخطأ الدكتور فراس في حكمه المسبق ..
ضاقت عينا همسة ..
فراس !
يا ربي .. ما هذا ؟!
"دكتورة همسة أنت هنا ؟"
هه ..
التفتت همسة للدكتور علي الذي كان يتكلم بجدية بالغة ..
قالت له : المعذرة ..
طالعها الدكتور علي في عيون جامدة وقال :
لا .. دكتورة .. لدينا أعمال كثيرة ..
ونحن هنا ننتظرك من أكثر من ساعة ..
وقت العمل عمل ..
أحست همسة أنها تريد أن تبكي ..
هنا ..
تدخل الدكتور ياسر .. وقال :
يبدو أن همسة لديها بعض الأمور ..
قال الدكتور علي :
عندما ندخل المستشفى ..
يجب أن تخلع كل هذه الأمور ..
ليس لدينا وقت لمثل هذه السخافات ..
نظر فيه الدكتور ياسر وقال :
لم أنت عصبي وحاد وهكذا ..
الفتاة قد سرحت فقط ..
التقرير أمامك ..
والفتاة لم تقصر في واجبها ..
قال لهمسة :
قومي معي ..
أخذها وخرج بها من الغرفة ..
كانت لتوها همسة قد أفاقت من حالة السكر التي كانت بها ..
مشاعر غير عادية كانت في فترة بسيطة ..
إعجاب .. ارتباك .. حزن .. حيرة .. غضب .. صرخة مكتومة ..
ولأول مرة أحست بالراحة لوجود الدكتور ياسر ..
مشى معها الدكتور ياسر في الرواق ..
وقال لها :
همسة ..
يبدو أن أعصابك بحاجة إلى الراحة ..
ما رأيك أن تغيري دوامك إلى الليل ..
إنه أكثر هدوءاً وأقل ازدحاماً ..
غيريه لمدة يومين ..
حتى تتحسن حالتك ..
لأول مرة أراك بهذه الطريقة ..
أنا أعرف أنك طالبة مجتهدة بحق ..
ولا عليك من الدكتور علي ..
إنه دوماً هكذا ..
أهم شيء في حياته العمل وفقط ..
ابتسم لها ..
وانتفخت فتحتا أنفه ..
ولأول مرة ..
تحس في أعماقها بامتنان لهذا الإنسان الذي لطالما كرهته ..
قالت له : سأفعل ..
شكراً لك يا دكتور ياسر ..
قال لها :
حسناً لدي بعض الأعمال ..
انتبهي على نفسك ..
ومشى ..
تابعته همسة ..
إلى أن ذهب ..
غريبة هي الحياة ..
إنها ليست بالصورة التي نراها في أحيان كثيرة ..
ليس هناك إنسان تام الشر ..
أو آخر تام الطيبة ..
إننا مزيج بين ذلك ..
قد يكون هذا الإنسان نسو نجيا ..
وقد يكون لئيماً ..
ولكنه في النهاية إنسان ..
لا بد أن تكون له حسنة ما ..
لا بد أن تظهر له صفة طيبة ..
نحن ننظر دوماً على الناس أنها إما ملائكة أو أبالسة ..
ولكن هذا غير صحيح ..
ابتسمت همسة ..
كانت الساعة قد اقتربت من الخامسة ..
اتصلت على السائق ..
وبعد دقائق ..
كانت في طريقها إلى المنزل ..
وطوال الطريق ..
أخذت تفكر فيما حصل ..
أخذت تفكر ..
ما الذي جعلها في هذه الحالة من الارتباك ..
ولكنها وصلت مرهقة للغاية ..
دخلت المنزل ..
كان والداها يتفرجان على التلفاز ..
دخلت حيتهم ..
اقتربت من والدها .. قبلت يديه ..
نظر فيها أبوها بشيء من الفخر ..
فقالت أمها :
Yeah , she grown up for sure
نظرت فيها همسة .. وجلست في حضنها ..
وأخذت أمها تحيطها بيديها